مجلة آفاق الأدب _____ فرصة أخرى _______ الأديبة إيثار محسن
فرصة أخرى...
*قصة قصيرة*
وأنا أنتظر صديقي الذي ذهب لينجز معاملةً له في المصرف الخاص لعوائل الشهداء، لمحتها، إمرأة تقف في طابور النساء تنتظر دورها، نظرت في عينيها، أحسست بشيء غريب يلتحفهما، أهو حزن أم عمق، لا أعرف وصفه، لم تنتبه لي وأنا أراقبها، مؤكد أنها أرملة، وهذا الصغير المتشبث بِعبائتها هو طفلها، لا أدري ما الذي دعاني في التفكير لتقديم المساعدة لها، لكن بأي صفة؟ لا أعرف ماذا جرى لي؟
إحساس غريب أنتابني حين رأيتها تقف بشموخ، رغم الحزن الذي ترك مسحة على محياها، ليزيد ذلك الجمال الدافىء الذي كان واضحاً على ملامحها شموخاً، جل إهتمامها كان منصباً بين طفلها لئلا يتوه بين الزحام وبين مراقبة الشباك الذي من خلاله ستنجز ما أتت من أجله، أشعر أن لديها حنان يكفي أهل الأرض جميعهم ، كأنها بطلة لإحدى الروايات تحملت قساوة الحياة ولا زالت تقف صامدة بوجه المحن، إقتربت منها، لم أجد طريقة في لفت إنتباهها نحوي، فوجدت في مداعبة طفلها ذريعة لعلي أحوز على إهتمامها، نظرت إلي بتفحص وخوف، كأن وحشاً إقترب من إبنها، خفت من نظراتها، إبتعدت قليلاً وأنا أقول: ولد لطيف، حفظه الله لك.
قررت أن أتبعها لأعرف وجهتها بعد أن رأيتها تخرج من باب المصرف، أحست بخطواتي خلفها فإستدارت نحوي، وقالت بنبرة حادة:
- مالذي تريده ياهذا لماذا تتبعني؟
-لا شيء، أريد التعرف إليكِ.
- وماذا بعد ذلك؟
- لا أعرف، ربما بعد التعرف تكون هناك أمور أخرى.
ردت عليَّ بلهجة فيها تهديد:
- إذهب من هنا وإلا... لا تعلم ما الذي سيجري لك.
- ولكن لماذا أرجوك، أنا لم أُسيء إليك فقط أردت التعرف.
فقالت بصوت أقل حدة:
- وما فائدة أن تتعرف على أرملة مسؤولة عن ثلاث أطفال.
- ربما يكون بيننا رابط.
- مانوع هذا الرابط هااا؟.... قل لي؟
صمتُ قليلا ثم قلت لها:
- لا أعلم، لكن عليك أن تعطيني فرصة أكبر للتعارف.
- كيف لي ذلك؟ ألا تعلم إننا في مجتمع لا يسمح للمرأة بالحديث مع رجل غريب، إن لي إخوة لا يتورعون عن ذبحي لمجرد رؤيتي أقف مثل هذه الوقفة.
- لكنك إنسانة ناضجة، ومن حقك أن تنالي فرصة أخرى في الحياة.
ردت بتهكم ممزوجا بمرارة:
- فرصة أخرى! وهل كانت هناك فرصة أولى ؟
ثم أمسكت بيد إبنها بقوة وسحبته نحوها وهي تقول: لقد تأخرنا على إخوتك وأكملت طريقها، تبعتها بنظراتي متحسراً حتى توارت في زحمة الشارع.
ايثار محسن/العراق
تعليقات
إرسال تعليق